مقـالات

بحـوث ودراسات

عـلماء كـتب ومخطوطات 

عقـيدة و فـقـه

تاريخ وحـضارة

الصفحة الرئيسة

فصول كتاب آلهة من الحلوى -11 

 

للشـيخ علي يحي معـمـر

الاستعمار بين الرجل والمرأة

 
إنني لم أسعد بسماع القيمة التي عقدتها المذيعة الناجحة عفاف زهران للأديب الصادق النيهوم ، وإنما نقل إليَّ الأصدقاء بعض ما دار فيها ومنها كلمة النيهوم التي رددها في اجتماع الاتحاد الاشتراكي العربي وهي قولة : إن المرأة في ليبيا لم يستعمرها الانجليز ولا الأمريكان وإنما استعمرها الرجل .

وكلمة الاستعمار من الكلمات المظلومة التي استعملت في غير معناها الاشتقاقي اللغوي ، وإنما جرى بها العرف في منطق السياسة فأصبحت تدل على كل شعب متسلط يبتز خيرات غيره ويتحكمَّ في مصيره .

ومعنى التسلُّط والتحكمُّ والابتزاز هو ما يقصده النيهوم في عبارته السابقة .

فهل كان الرجل حقاً مستعمراً للمرأة بهذا المعنى وهل لا يزال كذلك ؟

إذا قصرنا البحث على ليبيا فإن الحياة فيها يبدو على نمطين متباعدين .

النمط الأول : حياة المجتمع الريفي حيث يغلب عليه الفقر وشظف العيش ، والعلاقة هناك بين الرجل والمرأة ليس فيها استعمار ولا تحكم ، وإنما فيها تعاون وبذل لجهود متواصلة يشترك فيها الرجل والمرأة ، وعمل واضح لكليهما على مسرح الحياة يقدم فيها كلاهما نتائج كفاحه لصالح الاسرة .

أما النمط الثاني : فهو صورة المجتمع في الحواضر والمدن الكبيرة حيث الحياة الاقتصادية للأسرة لا تعتمد على الزراعة وإنما تعتمد إما على التجارة أو الوظائف أو ما شابه ذلك .

وفي هذه البيئة قد نجد صورة للاستعمار إذا أردنا أن نستعمل هذه الكلمة في العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة في الاسرة ، ولكن الاستعمار هنا يكون على العكس مما ذهب إليه النيهوم تماماً ، إن المرأة في الواقع هي المستعمرة المستغلة المتحكمة ، وليس الرجل الا موظفاً عندها ، عليه أن يكدح ويعمل ثم يأتي بثمرات كدحه ونتاج عمله إلى البيت حيث تتصرف المرأة وتستمتع بثمرات المجهود ، وبنظرة بسيطة إلى ميزانية الاسرة تتضح حقيقة الاستعمار ، وبقطع النظر عن الاحتياطي المدخر لهما جميعاً وعن مصاريف البيت المشتركة من غذاء وماء ونور فأين تذهب الميزانية ؟

أول البنود بنود الهدايا والصوائب في المناسبات ، ولا شك أن المرأة تأخذ منه ما لا يقل عن 90% .

أما البند الثاني فهو بند اللباس ، ولا شك أن ما تدفعه المرأة في شهر يكفي الرجل سنة .

أما البند الثالث وهو بند الزينة ، فلعل أهم ما يحتاجه الرجل منها شفرات وفرشاة للحلاقة والأسنان ، وقدر نسبة هذا إلى ما تستعمله المرأة وتستهلكه من مساحيق وعطور ومصاغ .

لست أدري هل الاستاذ النيهوم صاحب بيت أم لا يزال عميلاً للفنادق والمطاعم ، فإذا كان متزوجاً وخطر له أن يقوم بحملة تفتيشية احصائية تقديرية على نسبة الميزانية التي يملكها وتملكها ربة بيته يظهر له العجب ، وسوف يتضح له حقاً أنه كان مخدوعاً في نفسه وأنه كان مستعمراً لقوة لينة هنية هي زوجته المحترمة ، سوف يجد أنها تملك من الثياب ما يكفي لقرن ومن تلك الثياب ما استعمل مرة واحدة ولن يعاد استعماله ، وإن طلب المزيد لا يزال مستعمراً وأنه يظهر في السوق شيء جديد إلا كان لها منه نصيب ، ومع ذلك فلا يمضي موسم ولا تمر مناسبة حتى تمتص المستعمرة مقداراً من الميزانية تضيفها إلى رصيدها .

وعندما تكون الزوجة مثقفة وتحررة فهي توشك أن تستعمر حتى عقله وذوقه ، فعليه أن يعمل وعليه أن يسلمَّ إليها نتائج عمله لتمسك الحساب ، وعليه أن يستسلم لها حتى في حاجاته الخاصة ، فهي التي تختار له البذلة والحذاء ورباط العنق وتشتري له القميص والجورب ، والمنديل ليبدو في الشكل الذي يفضله ذوقها ، ولكنها لا ترضى له أبداً أن يقوم لها بنفس الدور فيختار لها أحذيتها وفساتينها وجواربها بنفس المنطق ، أي أن لباس الزوجة ينبغي أن يكون حسب ذوق الزوج ، انها لا تسلم بهذا ولا ترضى به أبداً ، إنها وحدها صاحبة الذوق الأفضل ولها وحدها أن تتصرف ، ومن حقها أن تتسكع بين المتاجر ودور الأزياء لتختار منها ما تريد ، وعندما تختار فإنها تصمم وتنفذ ولو انطبقت السماء على الأرض .

وحتى في البيوت المحافظة التي لا يسمح فيها للمرأة الصغيرة بالتسكع ومباشرة البيع والشراء في الأسواق فإنها تشترط على الرجل الفاضل أن يحمل إليها قطعاً صغيرة من أنواع مختلفة من القماش الموجود في السوق وهي التي تختار وتحدد الكمية والنوع ، وعلى السيد الفاضل أن يحضر لها ذلك وإلا وقعت المشاكل ، هذا بالإضافة إلى ما يأتيها عن طريق القرائب والعجائز المحترفات اللاتي يقدمن هذه الخدمات للبيوت المحافظة ، وينقلن إليها أخبار السوق بأسرع مما تنقله أحدث وسائل وكالات الأنباء من أخبار العالم .

الواقع أنه إذا سمحنا لأنفسنا أن نستعمل كلمة الاستعمار في المسلك الذي يجري بين الرجل والمرأة ، فإن القائم بدور المستعمر المتحكم المستفيد إنما هو المرأة لا الرجل على جميع الظروف ، بل إنها تستعمل نفس الأسلوب وتتحكم بنفس المنطق .

لو سألت أية دولة استعمارية عما تستفيد من استعمارها لبلدان الناس ؟ لأجابتك في براءة ظاهرة وهل جئتها لأستفيد ؟ إنما جئتها خدمة للإنسانية ، ونشراً للحضارة ، ورفعاً لشعبها المتأخر ، وقد خسرت من أجلها الكثير من المال والجهد ، هذا ما كانت تردده فرنسا وهي تمتص كل خيرات تونس والجزائر والمغرب ، وهذا ما كانت تردده ايطاليا وهي تمتص خيرات بلادنا ، وحتى العجوز البريطانية في فترة احتلالها لبلادنا وهي تمر بالبلد كما يمر الإعصار تجتاح كل شيء حتى أعمدة التليفون وخشب سقوف الثكنات العسكرية ، كانت لا تخجل أن تردد تلك النغمة فتزعم أنها لم تكسب من ليبيا وإنما كانت تنفق عليها من خزانتها الواسعة .

والمرأة في البيت تمثل هذا الدور ببراعة ، فهي تتلقى ما يحصل عليه الرجل بجهود مضنية توزعها حسب ميزانية أعدّتها تنفق منها في سخاء على بنود معينة وفي تقتير على بنود أُخرى ، ثم هي لا تفتأ تتحسر وتصبح لأنها لم تستفيد من هذا البيت إلا الحرمان والتعب دون قريناتها وزميلاتها .

وموقف المرأة العاملة التي تكسب أوضع في هذا الباب ، فرغم أنها تمثل الشريك صاحب النصف في المسؤولية على البيت وأنها تخلت عن التزاماتها لخادمة أو قريبة حتى تساعد على تحسين الحالة الإقتصادية للأسرة ، رغم ذلك فإن الدخل الذي يأتي من عملها إنما ينصرف إليها فقط لا يتسرب منه قليل ولا كثير إلى الأسرة ، وبعد أن تمتلئ الأرفف والخزائن بالمصاغ والملابس يقبع باسم صاحبته في مصرف أو يندس إلى مكان خفي في حقائب قريبة ، فإذا تجمع منه مبلغ محترم أمكن أن يشتري عقاراً باسمها فقط ، وهي مع كل ذلك تناوش دخل الزوج وتأخذ منه حقها ولو في صورة هدايا يقدمها إليها في المناسبات السعيدة في الموالد والأعياد .

هذه صورة مصغرة عن الجانب الإقتصادي ، أما في الجوانب الأخرى فالمرأة فيه على موقفين :

الموقف الأول التي يقال عنها متحررة واستعمارها للرجل واضح لا يحتاج إلى حديث فهي التي تأمر وتنهى في البيت ، وهي التي تحكم وتقرر ، وما موقف جنابه معها – على أحسن تقدير – إلا موقف الموظف الصغير أو التابع المؤدَّب ، وتأمل صورتهما يسيران في الشارع وهي تعرض فتنتها على الناس يحمل عنها طفلها أو الحاجيات التي اشترتها يسير حيثما تسير ويقف عندما تقف ، أليس موقفه معها موقف الخادم الأمين .

أما الموقف الثاني فهو للمرأة المحافظة وتمثل مع الرجل موقف المستشار أو الخبير الإستعماري المحنك مع الحاكم الساذج لشعب مغلوب يتمتع الحاكم ببريق اللقب والمظهر الخارجي ويخطط المستشار ويتصرف كما يشاء عن طريق الحاكم نفسه .
 

فصول الكتاب

0 مقدمة 11 الاستعمار بين الرجل والمرأة
1 قوالب البشر 12 التفوق بين الرجل والمرأة
2 الطفل 13 الخداع بين الرجل والمرأة
3 الطفل في الغيب 14 الحاكم
4 الطفل في الطريق 15 مخروط الحكم
5 الطفل في الاسرة 16 أين الرجل
6 الطفل في المدرسة 17 مظاهر العبادة في الأقانيم الثلاثة
7 طفل الدولة 18 الانسياق الجماعي
8 المرأة 19 فصول لم تكتب
9 المعركة المفتعلة 20 كلمة الختام
10 الحرية المهدورة    
 

 

 

الصفحة الرئيسة

جميع الحقوق محفوظة لموقع الاستقامة ولأصحاب المقالات - الأمانة العلمية تتطلب ذكر المصدر كاملا  عند نقل أي  معلومات من هذا الموقع