مقـالات

بحـوث ودراسات

عـلماء كـتب ومخطوطات 

عقـيدة و فـقـه

تاريخ وحـضارة

الصفحة الرئيسة

فصول كتاب آلهة من الحلوى -15

 

للشـيخ علي يحي معـمـر

 

مخـْـرُوط الحـُـكـم
 

كلما فكَّرت في الحكم خطرت لي صورة لا تبرح مخيلتي ، ويبدو لي أنها صورة تمثل في صدق حقيقة الحكم وما يدور حوله ، تلك الصور هي :

مخروط كبير جداً واسع القاعدة وينتهي بقمة لا تتسع إلا لرجل واحد أو لموقع قدمين فقط ، حول ذلك المخروط أعداد هائلة من الناس في كل شعب أو أمة يحاول أولئك الناس في إصرار وعناد ومثابرة أن يتسلَّقوا ذلك المخروط ، ويبذل كل فرد منهم ما يملك من جهد للوصول .

لا شكَّ أنه كلما ارتفع المخروط ضاق مجال التسلُّق وقل عدد المتسلقين وكثر عدد الساقطين ، بل إن الذين يسقطون من جوانب المخروط المختلفة لا يحصرهم العد ولا يهتم بهم أحد ، ولكن المحاولة مع ذلك لا تتوقف ولا تخف ، تزدحم الأعداد عند القاعدة ويخف الإزدحام مع الصعود ، وأخفّ الجميع حركة وأكثرهم ذكاء وأعرفهم بفنون البهلوانية هو الذي يستطيع أن يستمر في التسلق مستغلاً الظروف السيئة للآخرين ، فقد يدرس على قدم أو يثبت رجله على خصر متسلق فيقع ذلك ويستمر هو حتى يتمكن من أن يضع إحدى رجليه على كتف آخر متسلق أو رأسه ليثب منها إلى قمة الهرم ليقف بعد أن يكون دفع بأعلى المتسلقين إلى الهاوية .

ومنذ اللحظة التي يقف فيها ذلك المتسلَّق البارع على قمة المخروط ويسترد أنفاسه تبدأ الحياة معه من جديد ، فإذا وقف بقدميه على المخروط ، وصرف ناظريه بعيداً إلى الجماهير التي تمتلئ بها الساحات ، وسرح بفكره ليرى الحقيقة التي تعيش عليها الشعوب ، فإنه سرعان ما تمسك يد متسلق آخر بقدميه ثم تجذبها خارج القمة وتطوح به بعيداً كما فعل هو بغيره دون أن يستمتع كثيراً بالمجهود الذي بذله ووصل به .

أما إذا اعتمد على قمة المخروط بقدم واحدة ولم يصرف نظره بعيداً وإنما حبسه على أقرب المتسلقين إليه فجعل كلما قرُب أحدهم من القمة رمحه بالرجل الأخرى وطوح به بعيداً فإنه ربما يطول به الوقوف على القمة ، ولكنه في الحقيقة لا يرى شيئاً ، إنه يرى إلا أجسام المتسلقين وأيديهم تتهافت قرب القمة على الاستمساك برجليه وقذفه بعيداً ، فيعيش على هذا الموقف الدفاعي في عراك مستمر إلى أن تهلك قواه وتخور عزيمته فيتدحرج دون أن يحقق شيئاً مما كان يدور بخلده وهو يقترب من المخروط ليبدأ عملية التسلق .

ربما تكون هذه صورة الحكم عند الدول النامية ، أما الدول الأخرى التي تعتبر أنها بلغت شأواً من الحضارة والتقدم ، فقد تختلف بعض الإختلاف عن هذه الصورة في طريقة التسلق ، ذلك أن كل واحد من المتسلقين فيها قبل أن يحاول التسلق يجمع وراءه مجموعة من الناس بإسم حزب أو مبدأ ، يحملون له سلماً للتسلق ، وتبدأ معركة الإزاحة والتثبت ، فكل مجموعة تحاول أن تثبت سلمها وتسقط سلالم الآخرين ، وفي أثناء هذه الحركة يصعد المتسلقون على سلالهم التي لا تفتأ تتحرك وتضطرب ، منها ما يسقط ومنها ما ينكسر ومنها ما يسلم ، ولكن المتسلق يكون بطيء الحركة فيسبقه من كان أكثر رشاقة وأخبر بفنون البهلوانية ، وعندما يصل أحدهم إلى قمة المخروط يستطيع أن يستعيد أنفاسه ويقف معتدلاً وينظر مطمئناً لأن عملية التسلق تنوقف ، وهكذا يبقى في مكانه مدة محددة ، ثم يتدحرج بعدها عن القمة ليخلو المكان وتبدأ عملية التسلق من جديد .

ولا شك أن الحاكم في الصورة الجديدة هو مدين بوصوله للكتلة التي بلغته ، وغالباً ما يكون منفذاً أميناً لرغباتها ومصالحها ومبادئها إن كانت لها مبادئ ، وقد يتخلى عنها وينفرد بشخصيته ويستبد برأيه حتى تتم المدة المقررة له ، وتمثل قصة الإله من الحلوى .


فصول الكتاب

0 مقدمة 11 الاستعمار بين الرجل والمرأة
1 قوالب البشر 12 التفوق بين الرجل والمرأة
2 الطفل 13 الخداع بين الرجل والمرأة
3 الطفل في الغيب 14 الحاكم
4 الطفل في الطريق 15 مخروط الحكم
5 الطفل في الاسرة 16 أين الرجل
6 الطفل في المدرسة 17 مظاهر العبادة في الأقانيم الثلاثة
7 طفل الدولة 18 الانسياق الجماعي
8 المرأة 19 فصول لم تكتب
9 المعركة المفتعلة 20 كلمة الختام
10 الحرية المهدورة    
 
 

 

 

الصفحة الرئيسة

جميع الحقوق محفوظة لموقع الاستقامة ولأصحاب المقالات - الأمانة العلمية تتطلب ذكر المصدر كاملا  عند نقل أي  معلومات من هذا الموقع