مقـالات

بحـوث ودراسات

عـلماء كـتب ومخطوطات 

عقـيدة و فـقـه

تاريخ وحـضارة

الصفحة الرئيسة

فصول كتاب آلهة من الحلوى -17

 

للشـيخ علي يحي معـمـر

 

مَظـَاهر العِبَادة فـي الأقـانيـم الثَلاثـَة

 

لاشكَّ أن استعمال كلمة العبادة هنا استعمال مجازيّ ، والمقصود بها في هذه الفصول تقديم الإنسان طاعته وخدماته لغيره دون مطالبة بحق مقابل ذلك ولا انتظار الجزاء عليه .

ومظاهر العبادة بالنسبة للطفل تبدو واضحة في السلوك العام فإن جميع الأصوات التي تتحدث عن الطفل تعطيه جميع الحقوق وتعفيه من جميع الواجبات رغم أن مرحلة الطفولة قد تمتد إلى ما بعد البلوغ سنوات تبعاً للمراحل الدراسية المختلفة ، فإن الطالب مهما بلغ من العمر يعتبر طفلاً ، والنصائح التي تلقى على أفراد الأسرة وعلى المجتمع وعلى الدولة أنه يجب عليهم جميعاً في حدود اختصاصات كل واحد منهم أن يقدموا الطاعة الكاملة للأطفال ، وأن يقوموا لهم بالخدمة اللازمة ، يعني أن يتحلوا بهذا المظهر من مظاهر العبادة ، الطاعة وتقديم الخدمة .

وحتى أولئك الذين يخالفون هذا الإتجاه ، ويرون أن الطفل عجينة يجب أن تشكل وأن تطلب منها واجبات وأن ترغم في بعض الأحايين على سلوك معين، حتى هؤلاء لا يجرأون على أن يعلنوا عن آرائهم خوفاً من أن يوصفوا بالجهل والتخلف ، ورغم أن السلوك الفردي قد يخالف الرأي المجمع عليه الذي تنادي به جميع الأصوات فإن الوضع يبقى كما هو .

ومن الأمثلة الفريبة على ذلك أنك لو جمعت عدداً من المدرسين وسألتهم عن رأيهم في عقوبة الطفل عقوبة بدنية ، لظهر الإمتعاض على وجوههم جميعاً ، ولأجابوك في نفس واحد : هذا لا يجوز إنه يخالف علم النفس والتربية الحديثة، ثم لا نطلق بعضهم مسهباً يصف لك الأضرار التي تنجم عن هذه العملية، ولكنك لو أتيح لك بعد ذلك أن تزور الفصول التي يدرسونها فربما وجدت بعضهم قد ترك عصاه على المنضدة وآثار أصابع آخر مرتسمة على خدّ طفل مسكين ، فهو نظرياً ينساق مع الناس في تقديس الطفل وعبادته وتقديم كل شيء له مع عدم المساس به ، ولكنه عملياً يخالف بسلوكه معتقده الناس ، وهو شبيه بذلك الرجل الذي يعرف حرمة بعض الأشياء ولكنه مع ذلك يقترفها بغلبة النفس وسيطرة الهوى.

ومظاهر هذه العبادة بالنسبة للمرأة أيضاً واضحة ، فإن جميع الأصوات التي ترتفع إنما تقرر حقوقاً للمرأة ولا تضع عليها واجبات ، بل إن أصواتاً كثيرة تحاسب الماضي على عمومه وإطلاقه وهي في حسابها تجرم المجتمعات ، والأديان السابقة ، ولا يجوز في عرف الوقت الحاضر أن ينطلق صوت يزعم خلاف ذلك ، فعندما يقال لك إن المرأة قد كانت ظلمتها الأسرة أو الشريعة أو المجتمع ويجب الآن أن تنصف فقل صح ، وإذا قيل لك أن الرجل قد استعبد المرأة وقد آن أن تتحرر فقل صح ، وإذا قيل إن المرأة كل الحقوق وليس عليها واجب فقل صح، وإذا قيل إنها متفوقة على الرجل فقل صح ، وإذا قيل إنها أقوى منه وأذكى فقل صح ، وإذا قيل إن من حقها التصرف دون حدود فقل صح ، وإذا قيل إنه يجب أن يخصص لها في الجرائد والمجلات والإذاعات أركان للأزياء وأركان لتعليم فنون الزينة وأركان التعليم فنون الإغراء فقل صح ، وإذا قيل إن الأطفال أطفالها – رغم أنها تتركهم للخادمة أو الجيران – حين تعرض نفسها على أنظار المارة في الشوارع فقل صح ، وإذا قيل إن البيت بيتها هي يجب أن يكون على حسب ذوقها فقل صح، وإذا قيل إن على الرجل أن ينفق على هؤلاء الأطفال الذين هم أطفالها هي وعلى هذه البيت الذي هو بيتها هي فقل صح ، وإذا قيل إن من حقها أن تشرك أمها في جميع شؤون الأسرة دون اعتراض من الزوج فقل صح ، وإذا قيل إن من حقها أن تطرد أم الزوج وأباه من بيت ابنها دون أي اعتراض منه باعتبار الأم حماة مزعجة والأب حماً ثقيلاً فقل صح .

وهكذا كل شيء أن يقدم لها في طاعة ويقال لها في تقرب ويقبل منها في ذلة وإلا قامت القيامة .

أما مظاهر هذه العبادة بالنسبة للحاكم فلعلها تبدو في صور كثيرة هي الأخرى .

ما أن يصل الحاكم إلى كرسي الحكم حتى تنطلق الحناجر بالهتاف ، والأيدي بالتصفيق بالمسيرات ، والإذاعات ببرقيات التهاني التي لو قورنت في مدى نصف قرن أو ربعه لوجدت تحمل نفس العبارات ولم يتغير منها إلا أسماء الحاكمين ، وأيمان تقسم للأخلاص ، وعهود تبذل بالوفاء ، ووعود تُعطى للطاعة والعمل ، ثم وصف الحاكم بالنزاهة والعدالة ومحبة الشعب والتفاني في خدمة المصلحة العامة ، ثم الزعم بأنه هو وحده الذي حرر الوطن ونهض بالبلاد ، وأنقذ الاقتصاد من الانهيار

ومنح العزة والكرامة للجميع وقضى على جميع الأعداء ، وربما بالغ بعضهم حتى تجاوز الحدود فوصفه بما لا يوصف به إلا رب العزة كما قال بعض المتسلقين في يوم ما في حاكم ما وهو يقدم إليه تهنئة لمناسبة – إلى مانح الخير ومعطيه - .

هذه بعض المظاهر التي أِرنا إليها وهي كثيرة لا سيما عند الأمم – النامية – كما يقال لها ، فما يتسلق حاكم منصة الحكم حتى يحاط بمظاهر العبادة الكاملة وعندما يسقط تتحول تلك المظاهر بسرعة غريبة إلى الحاكم الجديد قبل حتى أن يُعرف من هو ولمن يعمل ، ولا شك أن الحكام في الدول النامية أو في بعضها على الأقل يتساقطون كأوراق الخريف ، فما أن يغفل أحدهم لحظة عن كرسيه حتى يجد نفسه محكوماً عليه بالخيانة والعمالة ، فإن قبض عليه قُتل وسحبت جثته في الشوارع ، وإن نجا عاش غريباً بقية عمره .

ولعل هذه الصورة تذكرنا أيضاً بالإله من الحلوى .

 


فصول الكتاب

0 مقدمة 11 الاستعمار بين الرجل والمرأة
1 قوالب البشر 12 التفوق بين الرجل والمرأة
2 الطفل 13 الخداع بين الرجل والمرأة
3 الطفل في الغيب 14 الحاكم
4 الطفل في الطريق 15 مخروط الحكم
5 الطفل في الاسرة 16 أين الرجل
6 الطفل في المدرسة 17 مظاهر العبادة في الأقانيم الثلاثة
7 طفل الدولة 18 الانسياق الجماعي
8 المرأة 19 فصول لم تكتب
9 المعركة المفتعلة 20 كلمة الختام
10 الحرية المهدورة    
 
 

 

 

الصفحة الرئيسة

جميع الحقوق محفوظة لموقع الاستقامة ولأصحاب المقالات - الأمانة العلمية تتطلب ذكر المصدر كاملا  عند نقل أي  معلومات من هذا الموقع