مقـالات

بحـوث ودراسات

عـلماء كـتب ومخطوطات 

عقـيدة و فـقـه

تاريخ وحـضارة

الصفحة الرئيسة

فصول كتاب آلهة من الحلوى -5

 

للشـيخ علي يحي معـمـر

الطفل في الأسرة

عندما يضع الطفل قدمه على عتبة الحياة المنظورة ، ويخرج من الطرد الذي أرسلته فيه العناية الإلهية إلى واقع الحياة البشرية ، ويستقبل النور والهواء فتراه العيون وتلمسه الأيدي – تبدأ سلسلة أخرى من الاهتمامات ، وأول الاهتمامات التي توجهها الأديان إليه في هذه المرحلة بالإضافة إلى العناية بصحته عامة ورعاية نظافته وغذائه – إنما هي مراعاة موقعه من المجتمع في حياته المقبلة ، ولذلك فهي توصي أن يختار له أحسن الأسماء وتضفي عليه أكرم النعوت ، لئلا يتقلقل موضعه في المجتمع بسبب لفظ تمجه الأذواق وتنبو عنه الأسماع ، ويتخذه بعضهم أداة سخرية ووسيلة إغاظة وإثارة ، وقد كانت الأديان في المرحلة السابقة تعفي الأم من بعض الواجبات وتعطيها بعض الحقوق التي ليست لها ، أما في هذه المرحلة وقد خرج الطفل من بطنها ليستقر بين يديها وعلى حجرها فقد أصبحت تفرض عليها نوعاً من الشدة وبعضاً من الواجبات التي لم تكن مطالبة بها ، ولما كان كل ما يصل إلى الطفل في حياته الأولى من الطفولة إنما يصله عن طريق الأم ، ولما كان الإسلام حريصاً على الطهارة والنظافة ، فإنه ألزم الأم بمراعاة هذا الجانب في حياة الطفل المبكرة عندما تكون يد الأم هي الأداة الطبيعية لتغذية الطفل ونظافته ، وأوصاها أن تحرص على أن يكون كل ما يصل إلى الطفل طاهراً ونظيفاً ، طهارة صحية حتى يسلم من الأمراض والآلام والعاهات ، وطهارة شرعية حتى لا تستمرئ أمعاؤه الدقيقة شيئاً من الغذاء الحرام والشراب الحرام والشراب الحرام وتعتاد عليه .

وقد شدّد فقهاء المذاهب على الأم التي تتساهل في أمر الطهارة فيما تقدمه الطفل ، ففرضوا عليها ( كفارة ) بل لقد بلغ الأمر عند بعضهم أن ألزموا كل أم ( كفارة مخففة ) عن كل مولود لها عاش فتره ما ، احتياطاً عما قد تكون قدمته له عن غفلة أو سهو ثم نسيته .

أما الفلسفة الإنسانية ممثلة في الدولة ، فهي تضع كل ما وصل إليه العلم في خدمة الطفل لهذه الفترة ، فتحتفل لا ستقباله بدور الولادة وتسخير علوم الطب والصحة لراحته وتجنيد الأطباء والممرضين والقوابل للقائه بما يكفل له عدم الإحساس بمرارة الانتقال من محضنه في ظلمات الرحم إلى مهاده في دنيا الحركة والتموج .

وتواصل الدولة رعايتها واهتمامها بالطفل في هذه المرحلة بالوصايا التي تفرضها على الأم من اختيار الغذاء والكساء والنظافة واستشارة علم الصحة في جميع الأحوال وتقديمه لأنواع التطعيم أو وسائل الوقاية التي توصلت إليها البشرية وتقدمها الدولة في حرص واهتمام .

وبعد فترة ليست طويلة من هذا الاهتمام والعناية بالطفل من جميع الأطراف يبدا الخلاف يتضح بالتدريج بين مقاصد الدين والدولة والأسرة من تكون هذا الطفل ، بل قد تختلف مقاصد الأب عن مقاصد الأم وبالعكس .

وتتوزع الرغبات المختلفة البذور الحقيقة التي تبذر في نفس الطفل منذ هذا الحين ، ولما كان الاتصال الوثيق بالطفل لا يزال في يد الأم أولاً ثم الأب ثانياً ، فإن السلوك الذي ينسكب في نفس الطفل غالباً ما يأتي عن الأم أو عنها وعن الأب ، ويبدا تأثيرهما يبتعد به أو يقترب من مقاصد الدين أو مقاصد الدولة عندما تكون الدولة بعيدة عن الدين .

والواقع أن الاهتمام المنصبّ عليه في هذه الفترة إنما كان لخدمته دون تكليفه ، سواء في ذلك اهتمام الدين واهتمام الدولة واهتمام الاسرة ذات التأثير الفعال ، ولكن عملية الخدمة هذه هي في الحقيقة عملية استجلاب أو عملية استرضاء ثم رضا .

ومن الواضح بمكان أن الدين وهو يقدم توصياته لخدمة هذا المخلوق الجديد فإنما يريد أن ينشىء فرداً يحمل المقومات التي أرادها الخالق سبحانه وتعالى في الانسان حينما جعله خليفة له في الأرض ، وأناط به تمثل التبعات في عمارتها ، ووضع على عاتقه الأمانة الثقيلة .

أما الدولة مستعينة بالعلم الذي نشأ عن تجارب الإنسان الطويلة فهي تريد أن تستفيد عضواً جديداً يتمكن من القيام بأعباء تفرض عليه مستقبلاً ، فهي تقدم النصائح والتوصيات التي تعتقد أنها كفيلة بتكوين جسم سليم وفكر قويم خاضع لرغبة المجتمع .

أما الأم وهي أقوى مؤثر من أفراد الاسرة ، فهي تريد أن تصوغ عجينتها هذه على أحب صورة في أحلامها ، لأنها تعتبرها امتداداً لها ، وإضافة لحياتها ، ولا يبعد اتجاه الأب عن هذا الاتجاه .

ووسيلة الدين في هذا المقام لا تزيد عن تعريف الأبوين بالسلوك الذي يجب عليهما إزاء الطفل ثم توجيه الطفل نفسه في المسلك الذي ينبغي له .

أما الدولة فبالإضافة إلى التوصيات الكثيرة التي توجهها إلى الأبوين وبالأخص الأم فإنها أشد خشية من أن لا يتحقق لها ما تريد ، ولذلك فهي تحتال لبلوغ مقاصدها بأخذ الطفل ووضعه تحت توجيهها وإشرافها بأسماء جذابة مغرية ( دور الحضانة ) ( رياض الأطفال ) ( دار التربية والتعليم ) وتجعل القيمين على تلك الدور ناساً قد أعدتهم للقيام بتلك المهمات إعداداً خاصاً .

أما الأبوان فلكي يصوغا طفلهما على النمط الذي يريدانه فإن سلوكهما غالباً لا يخرج عن حالتين : حالة الرعاية والنصيحة والتوجيه في لين حيناً وفي شدة حينا آخر ، والحالة الأخرى التوجيه الاجباري ولو اقتضى ذلك استعمال العنف بأقوى مظاهره .

وهكذا تبدأ الرغبات تتجاذبه ، وبعد أن كانت جميع الجهود مبذولة له والخدمات تقدم إليه أصبح مطالباً بالواجبات ، وكل يوم تزداد تلك الواجبات وتثقل ، فنحن نريد منه الحب ونحن نريد منه الإعجاب ، ونحن نريد منه السلوك الذي نمليه عليه ، وبعبارة أوضح نريد منه أن يتجه اتجاهاً إجبارياً في مسلك خاص .

إن ذلك التمثال الذي حلمنا به في الغيب وانتظرناه في الطريق واستقبلناه بما يشبه التقديس والعبادة ، وأحطناه بهالة من العناية والرعاية والإكرام أصبح اليوم تمثالاً من الحلوى نتوق إلى أكله والاستعاضة عنه بغيره .

 


فصول الكتاب

0 مقدمة 11 الاستعمار بين الرجل والمرأة
1 قوالب البشر 12 التفوق بين الرجل والمرأة
2 الطفل 13 الخداع بين الرجل والمرأة
3 الطفل في الغيب 14 الحاكم
4 الطفل في الطريق 15 مخروط الحكم
5 الطفل في الاسرة 16 أين الرجل
6 الطفل في المدرسة 17 مظاهر العبادة في الأقانيم الثلاثة
7 طفل الدولة 18 الانسياق الجماعي
8 المرأة 19 فصول لم تكتب
9 المعركة المفتعلة 20 كلمة الختام
10 الحرية المهدورة    
 
 

 

 

الصفحة الرئيسة

جميع الحقوق محفوظة لموقع الاستقامة ولأصحاب المقالات - الأمانة العلمية تتطلب ذكر المصدر كاملا  عند نقل أي  معلومات من هذا الموقع