مقـالات

بحـوث ودراسات

عـلماء كـتب ومخطوطات 

عقـيدة و فـقـه

تاريخ وحـضارة

الصفحة الرئيسة

فصول كتاب آلهة من الحلوى -9

 

للشـيخ علي يحي معـمـر

المعركة المفتعلة


لا شكَّ أنَّ الله عندما خلق الإنسان ، أنعم عليه بالحرية ، في جملة النعم الكثيرة التي أغدقها عليه ، ولكن تلك الحرية التي أنعم الله بها على الإنسان – ذكراً كان أو أنثى – إنما كان مراعى فيها – بطبيعة الحال- حدوداً معينة لا يصح تجاوزها ، فليس من حق الإنسان أن يدَّعي باسم الحرية مطلقية التصرف ، ليس من حريته أن ينكر النعم التي أسبغت عليه ، ويتوجه بالشكر إلى من لم يقدمها له ، وليس من حريته أن يقدم طاعته لمن لا يستحق منه الطاعة ، وليس من حريته أن يعبث فيما يقتضيه نظام الحياة ، وناموس الكون ، وسبب العمران ، وليس من حريته أن يطيع الشيطان ، أو يعبد الأوثان ، أو يزهق الأرواح حتى روح نفسه فالحرية إذا محدود كثيرة .

وقد اقتضت طبيعة الحياة أن تكون حرية الرجل محدودة بحدود ، وأن تكون حرية المرأة أيضاً محدودة ، تتفق هذه الحدود أحياناً وتفترق أحياناً أخرى لتكون لكل منهما حدوده الخاصة .

وأراد الرجل أن يجتاز حدود حريته فيستمتع دون قيود أو حدود أو ضمانات أو بذل للأموال ، فعارضته حرية الآخرين ، لقد أباحت الشرائع والأعراف والعادات في بعض الجهات أن يقوم الاستمتاع بين الرجل والمرأة لكنه قيد بحدود ، حدود عددية ، وحدود زمنية ، وحدود مادية ، فلم يتمكن الرجل من تحقيق تلك النزعة ، نزعة الإستمتاع بما هو خارج حدود ولا يصل إليه ، وعندما يجتاز الحدود ويحقق تلك الرغبة أو النزعة فإنه قد تطبق عليه العقوبة المقررة عقوبة الدين أو عقوبة المجتمع أو عقوبة القانون أو عقوبة صاحب الحد المنتهك والحق المأخوذ ، وكان شيطان الشهوة قد زرع في فكر الرجل الحيلة التي يصل بها إلى تحقيق ذلك المطلب فأعلن معركة حامية الوطيس ضد الأديان والأعراف والعادات المحتفظة ، ولكنه مع حربه الطويلة في هذا الصدد لم يحقق نجاحاً إلا في حالات قليلة انصبت عليه فيها عقوبات مقررة أو سوغ له استمتاع محدود بفقه منحرف أو مستغل أو مستغفل .

وخطر له في هذا العصر أن يستعين في حربة الطويلة هذه بالمرأة لا على أن يختلسا – كما كانا يفعلان من قبل – متعة محرَّمة ربما تكون عواقبها وخيمة عليها وعليه ، ولكن على أن تعلن معركة ضارية مدعية فيها حقاً ضاع عنها فهي تطالب بإرجاعه وذهب يسكب هذه النغمة في أذنها ، ويشحن بها نفسها ، فأحبتها أولا وأعرضت عنها ثم استمعت إليها ثم استساغتها ثم تبنتها وتجنَّدت للمعركة الحامية تطالب بالحق المهضوم يناصرها في ذلك رجل يزعم لها أنه يرثي لحرمانها من حق طبيعي لها في الحرية .

وطالبت أن تتحرر من رقابة الأسرة ثم من رقابة المجتمع ثم من رقابة الدَّين ثم من رقابة الخلق فأتيح لها ذلك وطالبت أن يكون لها حق التملك والإستغلال والسيطرة ، فأتيح لها ذلك ، وانتصرت حسب زعمه وزعمها في جميع المعارك ، ولكنها لم تحقق رغبة الغريزة في الإرتواء من المتعة ، لقد ارتوى هو ولم ترتو هي ، لقد كانت نتائج المعركة لمصلحته لا لمصلحتها ، وكان ما تعده انتصاراً لها إنما هو انتصار له لا شك في ذلك .

وتملكتها الحيرة في الاستفادة مما تعتبره انتصاراً لها فلم تعرف كيف تستفيد منه .

كانت المرأة مصونة لا تعبث بها الأيدي ولا العيون، يقدم لها الحب في حرارة العاطفة وصدقها ، وتمنع لها القلوب في إخلاص وتفان ، وتراق من أجلها الدماء على الأعتاب ، وهي في كل ذلك متمنعة متذللة متحكمة، سواء كان ذلك في المنهج المشروع أو حتى في المنهج الممنوع .

أما وقد خيَّل إليها أنها انتصرت في هذه المعركة التي افتعلها لها الرجل فأخرجها إلى حيث شبعت منها الأيدي والعيون حتى مجَّتها وأعرضت عنها ، فأصبحت هي التي تلهث وراءه مخالفة بذلك سنة الفطرة التي عبت بها الأنثى في المخلوقات جميعاً ، وصارت تقدم وسائل الإنتباه للرجل ولكنه وقد ارتوى من مشهدها وملمسها عزف عنها ، فكانت تلهث وراءه بكل الوسائل ، تنصب حوله الشباك لتوقعه بعد أن تذل وتبذل من كل مقوماتها ، فطاردته باللحظة والحركة والكلمة واللمسة المقصودة ، ثم فتحت من خزانتها رصيداً ضخماً تشتري به مساحيق التجميل ، فلم يؤثر كل ذلك عليه ، فكشفت له عن جسمها وهي تحتك به في العمل والشارع فلم يثر ذلك اهتمامه ولم يغنها شيئا .

وحار شيطان الغواية عندما فلم يعد يعرف ما هو السبيل ، لعب بشعرها فشكله على مئات الأشكال ، ولعب بوجهها حتى أخرجه من خلقته البشرية إلى صناعة الدمى ، وحتى أن الناظر لا يجد صلة بين وجه تحمله الأنثى وهي مارة في الشارع ووجه تحمله تلك الأنثى نفسها وهي قارة في البيت ، بل لعلها تتخذ لكل حفل ولكل وقت وجهاً غير الوجوه السابقة .

ولعب بجسمها فخنق منه مناطق حتى كادت تتقطع، وأبرز منه مناطق حتى صارت كأنها ثآليل ضخمة، أو نتوءات تتولد عنها أجسام أخرى غريبة .

واستمرت به الحيرة فكشف من جسمها أكثر أجزائه حتى بم يبق منه مستوراً إلا الجز اليسير ، وعاد فستر منه كل شيء ولكن كل ذلك لم يغن فأصبحت المرأة تلهو باللباس ، تكشف وتستر ، وتستر وتكشف ، وتطيل وتقصر ، وتقصر وتطيل ، وهي في كل ذلك تستجدي النظرة والبسمة والكلمة واللمسة ، ولكن الرجل يمر بجانبها في برود ، لأنه قد شبع وارتوى وأصبح ينظر إليها وهي كاسية كما ينظر إلى دمية علقت عليها ثياب للعرض ، وينظر إليها وهي شبه عارية كما ينظر إلى أفخاذ البقر المسلوخة وهي معلََّّّّّّّّّّّّّّقة في دكاكين القصابين ، لا تبعث في النفس إلا الأسف أو الإشمئزاز ..

وجدت المرأة أن ما اعتقدته انتصاراً لها لك يحقق لها الحلم الورديّ ، ولم يشبع منها إحساسها الفطري ، فتمادت تبتكر جوانب أخرى للمعركة تشغل بها نفسها ، فطالبت بكراسي الحكم ، وطالبت بآلات العمل ، وطالبت بقلب الوضع العائلي ، وطالبت أن تقوم هي بأعمال الرجل وأن يقوم الرجل بأعمالها ، ونالت كل تلك الطلبات ، ولكنها مع ذلك بقيت في حيرتها متذبذبة متأرجحة متألمة ، والرجل ينظر إليها ساخراً مستهزئا .

حاربته بالأنوثة المتقلبة فلم تفلح ، وحاربته بالأنوثة العارية فلم تفلح ، فاعتقدت أنها سوف تفلح إذا حاربته بخصائص الرجولة فلبست لباسه وتولَّت عمله وجلست في مكانه ، ولكن هذا أيضاً لم يؤدَّ إلى نتيجة ، لقد انتصر الرجل على المرأة حقاً وانتقم منها انتقاماً رائعاً وأخذ بثأره الذي ضاع منه آلاف السنين .

لقد كان باب الخباء أو باب البيت عند المرأة بمثابة ساحة القتال تُراق فيه الدماء من أجلها دون حساب ، وإن همسة خافتة أو إشارة خفيفة تكفي لسلّ السيوف وتقطيع الرقاب ، أما الكلمة أو الصرخة منها فقد كانت تشغل نيران حروب وتقضي وبين يديها وهي تنظر معجبة بنفسها .

وكم من أبطال أعزاء يذلون أمامها ويتوسلون إليها، بل إن منهم من يضفي عليها لقب المعبودة وينظر إليها كما ينظر إلى إله ، فإذا جادت عليه ببسمة أو كلمة، رقص من السعادة وغنَّى من الفرح .

لقد انقلبت القضية الآن وأصبحت تلك المرأة العزيزة المحبوبة التي يتقاتل الرجال من أجلها تجري في الشارع عارية الرأس مكشوفة الصدر والسوق ملطَّخة الوجه ، كأنما وقعت في بركة من الوحل تلتمس كلمة إطراء فلا تسمعها ، وتستجدي نظرة إعجاب فلا تلمحها، أما حرارة الغزل التي كان يسكنها القلب المحب المحروم في آذان الحبيبة المصونة فقد أطفأتها لهفة المرأة المتحررة في الحصول على أي رجل يضعه القدر بين يديها.

لقد كان الرجل يقول الغزل وينظم الشعر وينظم ويركع بين يدي المرأة ليحظى بالحب ، وبعد هذه المعركة التي انتصر فيها الرجل على المرأة انتصاره الحاسم ، وانتقم منها انتقامه القاسي أصبحت المرأة تستجدي الرجل بلغة الغريزة ، لغة الغريزة الوقحة التي لا تخشى ، وافتح ما شئت من الإذاعات المرئية والمسموعة واستمع إليها تغني وانظر إليها تتحرك ، إنك لن تسمع من أغانيها إلا صرخات الغريزة المبحوحة في أحط حالات الهيجان ولن ترى من حركاتها إلا أحط الحركات الخليعة عند شدة الطلب وخشية الحرمان ، ولا شك أن هذا اللون إنما يقدم بعد الرقابة والتهذيب ، أما ما يقع وراء ذلك فالمرأة المنتصرة أدرى به وأعرف .

ألا ترى معي أيها القارئ الكريم أن الرجل الذي طالب بحقوق المرأة ليوصلها إلى هذا المستوى قد مثل معها في إتقان دور الأعرابي مع إلهه من الحلوى .

 


فصول الكتاب

0 مقدمة 11 الاستعمار بين الرجل والمرأة
1 قوالب البشر 12 التفوق بين الرجل والمرأة
2 الطفل 13 الخداع بين الرجل والمرأة
3 الطفل في الغيب 14 الحاكم
4 الطفل في الطريق 15 مخروط الحكم
5 الطفل في الاسرة 16 أين الرجل
6 الطفل في المدرسة 17 مظاهر العبادة في الأقانيم الثلاثة
7 طفل الدولة 18 الانسياق الجماعي
8 المرأة 19 فصول لم تكتب
9 المعركة المفتعلة 20 كلمة الختام
10 الحرية المهدورة    
 
 

 

 

الصفحة الرئيسة

جميع الحقوق محفوظة لموقع الاستقامة ولأصحاب المقالات - الأمانة العلمية تتطلب ذكر المصدر كاملا  عند نقل أي  معلومات من هذا الموقع